السنوات الخدّاعات وصناعة الرويبضة الرقمي قراءة في تحولات الوعي بين التفاهة والدجل الناعم

السنوات الخدّاعات وصناعة الرويبضة الرقمي

قراءة في تحولات الوعي بين التفاهة والدجل الناعم





التفاهة في ميزان فقه التحولات ليست مجرد صفة فردية ذميمة، ولا حالة عابرة من ضعف الاهتمام؛ بل هي مظهر من مظاهر انقلاب الموازين، حين تتغير معايير الناس، ويُرفع من لا يستحق، ويُقدَّم من لا يملك علمًا ولا أمانة ولا قيمة حقيقية.


وقد حذّر النبي ﷺ من هذا التحول في نبوءة صريحة، فقال:


«سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة».


قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟

قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».


فالحديث لا يتحدث عن وجود التافه فقط، فالتافهون موجودون في كل زمان، وإنما يتحدث عن زمنٍ تُفتح فيه الأبواب لهذا التافه ليتكلم في أمر العامة، ويجد من يسمع له، ويتابعه، ويتأثر به.


وهنا تظهر المأساة في السنوات الخدّاعات.


إنها السنوات التي لا يُكتفى فيها بوجود الرويبضة، بل يُصنع له جمهور، وتُبنى حوله هالة اجتماعية، ويتحول من شخص فارغ إلى نجم مجتمعي، ومن صوت تافه إلى مؤثر Influencer، لا لأنه يحمل معنى عظيمًا، ولا لأنه يملك علمًا نافعًا، ولا لأنه يؤدي رسالة راشدة، بل لأنه وجد جماهير تصدقه، وتتابعه، وتتفاعل معه.


وفي هذا العصر الرقمي، أصبح للرويبضة أدوات جديدة.


لم يعد يحتاج إلى منبر كبير، ولا مجلس عام، ولا سلطة ظاهرة؛ يكفي أن يجد شاشة، ومنصة، وجمهورًا من المتابعين Followers، حتى يبدأ حضوره في التوسع. ثم يتحول هذا الحضور شيئًا فشيئًا إلى تأثير، ويتحول التأثير إلى سلطة ناعمة على الذوق والوعي والاهتمام.


وهكذا يُصنع الرويبضة في الزمن الرقمي:


تافهٌ يتكلم، وجمهورٌ يستمع.

فارغٌ يظهر، وملايين تتابع.

سطحيٌّ يمارس تفاهته، وعيون تنبهر به.

ثم يُقال عنه بعد ذلك: نجم، مؤثر، شخصية عامة.


وهنا لا تعود المشكلة في التفاهة وحدها، بل في صناعة الجماهير لها.


فالرويبضة لا يصبح مؤثرًا من نفسه فقط، وإنما تصنعه الجماهير حين تمنحه المتابعة، وتفتح له مساحة في وعيها، وتجعل منه صوتًا حاضرًا في حياتها اليومية. وبهذا تنقلب المعادلة: بدل أن يُقاس الإنسان بقيمته، يُقاس بعدد متابعيه؛ وبدل أن يُنظر إلى صدقه وأمانته، يُنظر إلى انتشاره وحضوره.


وهذا من خداع السنوات الخدّاعات.


يُصدَّق الكاذب لأنه لامع.

ويُكذَّب الصادق لأنه ثقيل على النفوس.

ويُؤتمن الخائن لأنه يُحسن الظهور.

ويُخوَّن الأمين لأنه لا يجاري ضجيج المرحلة.

وينطق الرويبضة لأنه وجد من يرفع صوته ويمنحه مقامًا لا يستحقه.


وقد بيّن أهل العلم أن الرويبضة هو الإنسان القاعد عن معالي الأمور؛ خالي الوفاض من القيمة الحقيقية، لا يملك ما ينفع به دينه أو دنياه، ولا يحسن أن يحمل أمانة الكلام في شأن العامة.


وهذا يتناقض مع روح الإيمان، لأن الشرع يربي الإنسان على معالي الأمور، لا على سفاسفها. قال النبي ﷺ:


«إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها».


فمن رضي أن يعيش في التفاهة، أو يصنع لها نجومية، أو يرفع أهلها إلى مقام التأثير، فقد شارك في قلب الميزان، وأعان على تقديم السفاسف على المعالي.


والأخطر أن هذا التحول ليس بعيدًا عن معنى الدجل الناعم.


فقد جاءت رواية عجيبة في هذا الباب:


«إن أمام الدجال سنوات خدّاعات».


وهذا الربط يكشف أن الخطر لا يبدأ عند الفتنة الكبرى فقط، بل يبدأ قبلها، حين تعتاد المجتمعات على قلب الحقائق، وتصديق الكاذب، وتخوين الأمين، ورفع التافه، وتهميش أهل الصدق والرشد.


فالدجال حين يخرج يأتي بمفاهيم مقلوبة: جنته نار، وناره جنة. والمجتمع الذي اعتاد قبل ذلك على الموازين المقلوبة، يصبح أضعف في التمييز، وأقرب إلى قبول الخداع.


ولهذا فإن التفاهة ليست مجرد تضييع وقت، بل هي تربية ناعمة على ضعف البصيرة. وليست صناعة الرويبضة مجرد ظاهرة رقمية، بل علامة على تحول أعمق في وعي الجماهير.


فحين يصبح التافه نجمًا، والسطحي مؤثرًا، والفارغ صاحب Followers، فإن القضية لم تعد قضية شخص واحد، بل قضية مجتمع يساهم في صناعة رموزه، ويعيد ترتيب موازينه بيده.


ومن هنا يكون الواجب أن ننتبه:


من نتابع؟

من نرفع؟

من نصنع منه مؤثرًا؟

ومن نسمح له أن يتكلم في أمر العامة؟


فالسنوات الخدّاعات لا تصنع الرويبضة وحدها، وإنما تصنعه الجماهير حين تفقد ميزانها.


والنجاة تبدأ من استعادة الميزان: أن يُعرف الصادق، وأن يُحفظ مقام الأمين، وأن يُردّ التافه إلى حجمه، وأن لا تُمنح التفاهة نجومية، ولا يُصنع من الرويبضة مؤثر في وعي الأمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المنبر في زمن الخوارزميات

100 مليون دولار غيرت صورة أمة: ما الذي يمكن أن نتعلمه من رهان الصين الذكي؟