المنبر في زمن الخوارزميات

وأنا في طريقي إلى صلاة الجمعة كثيرًا ما ينتابني شعور واضح: ليس شعور من ينتظر فكرة جديدة، بل شعور من يعرف مسبقًا ما سيُقال. أعرف كيف ستبدأ الخطبة، وأي الأحاديث ستُذكر، وأي العبارات ستتكرر. ليس في ذلك حكم على النيات بقدر ما هو توصيف لحالة بات يختبرها كثير من الشباب.


فنحن لم نعد أمام نقصٍ في التذكير، بل أمام ما يمكن وصفه بـ تخمة الوعظ؛ حيث تتكرر المعاني حتى تفقد الكلمات قدرتها على الإيقاظ. المشكلة ليست في النصوص، فالنصوص بطبيعتها حية وغنية، لكنها تصبح جامدة حين تُستدعى خارج سياق الزمن.

ولهذا لم يعد كافيًا استحضار النص، بل لا بد من قراءته بوعي الواقع عبر فقه المتغيرات؛ ذلك الفقه الذي يربط الثابت من القيم بالمتغير من الحياة. فالشاب اليوم يعيش في بيئة معرفية مختلفة تمامًا: المعلومات تتدفق بلا توقف، ومئات الأفكار تمر أمامه بتمريرة سريعة، ويتشكل وعيه في فضاء رقمي سريع الإيقاع.

وهنا تتبدّى مفارقة لافتة: الخوارزميات الرقمية أصبحت قادرة على قراءة مزاج هذا الجيل بدقة مذهلة؛ تعرف ما يجذب انتباهه وكيف ينبغي مخاطبته، بينما يظل الخطاب الوعظي – في كثير من الأحيان – أسير قوالب متكررة لا تلتفت بما يكفي إلى التحولات العميقة في وعي الشباب وطرق تلقيهم للمعرفة.

ولعل الحكمة المروية عن سيدنا علي بن ابي طالب تلخص هذا المعنى بوضوح لافت: "لا تُربّوا أولادكم كما ربّاكم آباؤكم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم."

وليست المعضلة في الدين ذاته؛ فالدين أوسع من أن يضيق بعصرٍ أو يتقادم مع جيل. المعضلة في كيفية تقديمه: حين يتحول من منظومة حية قادرة على تفسير الواقع وإرشاد الإنسان في تعقيداته، إلى خطاب يعيد إنتاج نفسه دون أن يلامس أسئلة الزمن. فالدين لم يُبعث ليُستعاد كذكرى، بل ليبقى إطارًا حيًّا يُفهم به العالم ويُبنى به الإنسان.

#زاهر_بن_الشيخ_أبوبكر





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

100 مليون دولار غيرت صورة أمة: ما الذي يمكن أن نتعلمه من رهان الصين الذكي؟

الحضارم.. شباب ملهم في الإعلام الرمضاني